الشيخ عبد الغني النابلسي

4

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وإلّا فلا عين لها به وجودا وتقديرا . ( اعلم ) يا أيها السالك ( أن القلب ) ، وهو عام في جميع القلوب من حيث ما هي قلوب ، فإذا كانت نفوسا في صدور أهل الغفلة من الناس ذات وسواس كما قال اللّه تعالى : وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ ق : 16 ] ، فما هي بمرادة هنا ، ولهذا قال : ( أعني قلب العارف باللّه ) تعالى ، فإن قلبه هو المراد ، لأنه صاحب الاستعداد للفيض والإمداد ( هو ) ، أي ذلك القلب ( من رحمة اللّه ) تعالى بل هو عين رحمة اللّه تعالى ، لأن اللّه تعالى ينظر به إلى عباده كلهم فيرحمهم فمن حيث شمول الرحمة لكل شيء هو منها ومن حيث رحمة كل شيء به هو عينها ( وهو ) ، أي القلب العارف باللّه تعالى ( أوسع منها ) ، أي من رحمة اللّه تعالى من حيث إن اللّه تعالى ينظر به إلى العباد فيرحمهم فتظهر رحمته تعالى بكل شيء من ذلك القلب ، فيكون القلب أوسع منها من هذا الوجه ( فإنه ) ، أي القلب العارف باللّه تعالى ( وسع الحق جل جلاله ) كما ورد في الحديث القدسي : « ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » ، ( ورحمته تعالى لا تسعه ) ، لأنه غني عن أن يصله نفع منه ، لأنه الكامل بالكمال الذاتي فضلا عن أن يصله نفع من غيره ، فلما وسعه القلب ولم تسعه الرحمة كان القلب أوسع من الرحمة ، ولا يقال إنّ الحق تعالى إذا نظر بالرحمة إلى كل شيء فقد وسعته الرحمة أيضا ، لأنا نقول الرحمة حضرة من حضراته سبحانه ، والقلب جامع لكل الحضرات ، فالوسع الذي للقلب لا يكون لغيره . ( هذا ) الكلام المذكور هنا ( لسان عموم ) ، وإجمال في مطلق قلب العارف ومطلق الرحمة الإلهية ومطلق الوسع ( من باب الإشارة ) لا صريح العبارة ( فإن الحق ) تعالى ( راحم ) لكل ما سواه برحمته ( ليس غيره ) وهذا بيان لكون رحمته سبحانه لا تسعه ، لأنه حضرة من حضراته وصفة من جملة صفاته ، فكيف تكون واسعة لذاته الجامعة لجميع حضراته من أسمائه وصفاته ، والبعض لا يسع الكل ، وإن لم يكن هنا بعض ولا كل بل عين واحدة كافية للكل في الكل ، ولكن اعتبار التعينات يقتضي ما ذكرناه من العبارات ( فلا حكم ) ، أي ظهور أثر ( للرحمة ) الإلهية ( فيه ) ، أي في الحق تعالى لامتناع ذلك عليه سبحانه أزلا وأبدا . ( وأما الإشارة ) وأما آلاؤه تعالى مما ذكر ( من لسان الخصوص ) للتعريف التفصيلي والتوقيف التحصيلي ( فإن اللّه ) تعالى ( وصف نفسه ) على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .